علي الأحمدي الميانجي
24
مكاتيب الأئمة ( ع )
فَهَذِهِ خَمسَةُ أَشيَاءَ جَمَعَ بِهِ الصَّادِقُ عليه السلام جَوامِعَ الفَضلِ ، فَإِذَا نَقَصَ العَبدُ مِنهَا خَلَّةً ، كَانَ العَمَلُ عَنهُ مَطرُوحاً بِحَسَبِهِ ، فَأَخبَرَ الصَّادِقُ عليه السلام بِأصلِ ما يَجِبُ عَلَى النَّاسِ مِن طَلَبِ مَعرِفَتِهِ وَنَطَقَ الكِتَابُ بِتَصدِيقِهِ ، فَشَهِدَ بِذَلِكَ مُحكَمَاتُ آيَاتِ رَسُولِهِ ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وآله وَآلَهُ عليهم السلام لا يَعِدُونَ شَيئاً مِن قَولِهِ ، وَأَقاوِيلُهُم حُدُودُ القُرآنِ ، فَإذَا وَرَدَت حَقَائِقُ الأَخبَارِ وَالتُمِسَت شَواهِدُها مِنَ التَّنزِيلِ فَوُجِدَ لَهَا مُوَافِقاً وَعَلَيهَا دَلِيلَاً ، كَانَ الاقتِداءُ بِهَا فَرضاً ، لا يَتَعَدَّاهُ إِلَّا أَهلُ العِنادِ ، كَمَا ذَكَرنَا فِي أَوَّلِ الكِتَابِ . وَلَمَّا التَمَسنَا تَحقِيقَ مَا قَالَهُ الصَّادِقُ عليه السلام مِنَ المَنزِلَةِ بَينَ المَنزِلَتَينِ وَإِنكَارِهِ الجَبرَ وَالتَّفوِيضَ ، وَجَدنَا الكِتَابَ قَد شَهِدَ لَهُ وَصَدَّقَ مَقالَتَهُ في هَذا . وَخَبَرٌ عَنهُ أيضاً مُوافِقٌ لِهَذَا ، أَنَّ الصَّادِقَ عليه السلام سُئِلَ هَل أَجبَرَ اللَّهُ العِبَادَ عَلَى المَعَاصِيَ ؟ فَقَالَ الصَّادِقُ عليه السلام : هُوَ أَعدَلُ مِن ذَلِكَ ، فَقِيلَ لَهُ فَهَل فَوَّضَ إِلَيهِم ؟ فَقَالَ عليه السلام : هُوَ أَعَزُّ وَأَقهَرُ لَهُم مِن ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ : « النَّاسُ فِي القَدَرِ عَلَى ثَلاثَةِ أَوجُهٍ : رَجُلٌ يَزعُمُ أَنَّ الأَمرَ مُفَوَّضٌ إِلَيهِ ، فَقَد وَهَّنَ اللَّهَ فِي سُلطَانِهِ ، فَهُوَ هَالِكٌ . وَرَجُلٌ يَزعُمُ أنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَجبَرَ العِبَادَ عَلَى المَعَاصِيَ ، وَكَلَّفَهُم مَا لا يُطِيقُونَ ، فَقَد ظَلَّمَ اللَّهَ فِي حُكمِهِ ، فَهُوَ هَالِكٌ . وَرَجُلٌ يَزعُمُ أَنَّ اللَّهَ كَلَّفَ العِبَادَ ما يُطيقُونَ وَلَم يُكلِّفهُم ما لا يُطِيقُونَ ، فَإذَا أَحسَنَ حَمِدَ اللَّهَ ، وَإِذَا أَسَاءَ استَغفَرَ اللَّهَ ، فَهَذَا مُسلِمٌ بالِغٌ ، فَأَخبَرَ عليه السلام أَنَّ مَن تَقَلَّدَ الجَبرَ وَالتَّفوِيضَ وَدَانَ بِهِمَا ، فَهُوَ عَلَى خِلافِ الحَقِّ . فَقَد شَرَحتُ الجَبرَ الَّذِي مَن دَانَ بِهِ يَلزَمُهُ الخَطَأُ ، وَأَنَّ الَّذِي يَتَقَلَّدُ التَّفوِيضَ يَلزَمُهُ البَاطِلُ ، فَصَارَتِ المَنزِلَةُ بَينَ المَنزِلَتَينِ بَينَهُما . ثُمَّ قَالَ عليه السلام : وَأَضرِبُ لِكُلِّ بَابٍ مِن هَذِهِ الأَبوَابِ مَثَلًا ، يُقرِّبُ المَعنَى لِلطَّالِبِ ، وَيُسَهِّلُ لَهُ البَحثَ عَن شَرحِهِ ، تَشهَدُ بِهِ مُحكَمَاتُ آيَاتِ الكِتَابِ ، وَتَحَقَّقَ تَصدِيقُهُ عِندَ ذَوِي الأَلبَابِ ، وَبِاللَّهِ التَّوفِيقُ وَالعِصمَةُ . فَأَمَّا الجَبرُ الَّذِي يَلزَمُ مَن دَانَ بِهِ الخَطَأُ ، فَهُوَ قَولُ مَن زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَجبَرَ